رحلة الهجرة ..تضافر وتضحيات حتى الوصول

هاجر المؤمنون من مكة إلى المدينة فرادى، بعد أن تركوا وراءهم كل ما لهم في مكة من أهل ومال وبيوت، وسجل الصحابة مواقفا عظيمة من التضحيات الإنسانية في سبيل الله.

كان أبرز الأمثلة في التضحيات، أسرة سيدنا أبو سلمة الذين فُرِق بينهم، إذ لحقت أسرة أم سلمة بها مع زوجها، وأخذتها هي وابنها ومضى في طريقه نحو المدينة وحيدا.

ثم ما لبثت أسرة أبا سلمة أن أخذت الولد من أمه، وظلت تخرج للبطحاء تبكي كل يوم، ما يقارب السنة، حتى رق لها أحد بني عمها، وتوسط لها عند قومها حتى أذنوا لها في الهجرة ورُدَّ إليها ولدها، ثم انطلقت به إلى المدينة لتلحق بزوجها.

فلما كان يوم هجرة النبي محمد –صلى الله عليه وسلم-، دبرت قريش لقتله بأن تأخذ من كل قبيلة رجل فيتفرق دمه بين القبائل، فطلب النبي من سيدنا علي بن أبي طالب، أن ينام مكانه، ثم خرج من بينهم وقد أغشى الله وجوههم.

فأنزل الله –تعالى- قوله: ‏{‏وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله ُ وَالله ُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ‏} (الأنفال 30).

ثم صحب سيدنا محمد صاحبه أبا بكر في رحلة الهجرة الشريفة، حتى وصلا إلى غار ثور وظلا معا في الغار ثلاث ليال، سجل فيهم الصديق –رضي الله عنه- أسمى نماذج الحب لرسول الله، والتضحية من أجل دين الله.

وسجلت فيهم ابنته أسماء، نموذجا من نماذج المثابرة والجهاد وتحمل المشقة في سبيل الله.

كما ضرب فيهم رسول الله –صلى الله عليه وسلم-المثل الأعلى في التخطيط الدقيق والأخذ بالأسباب، والتوكل على الله في آن واحد، وكيف أنهما معنيان لا يتعارضان.

على الجانب الآخر، برز حقد قريش مرة بعد مرة وإصرارهم على إيذاء رسول الله وإنهاء دعوة الإسلام، حتى بعد أن رأوا إعجاز الله في خروج النبي –صلى الله عليه وسلم-من بين أظهرهم وهم لا يشعرون.

وذلك عندما طاردوا الرسول وصاحبه حتى الغار، في الموقف الذي نزلت فيه الآية الكريمة:

{إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم} (التوبة 40).

ثم أيد الله تعالى رسوله بالأنصار من أهل المدينة الذين استقبلوا رسول الله –صلى الله عليه وسلم بالترحاب والإيثار.