مناسك الجاهلية فخر بالنفس .. ومناسك الإسلام تقوى لله

مناسك الحج بين الجاهلية والإسلام.. تقوى الله أولا

مناسك الحج بين التقوى والفخر

لمّا كان البيت الحرام قبلة للناس منذ إبراهيم عليه السلام، كان للعرب مناسكهم التي ابتدعوها، و كانت خدمة البيت الحرام والسيطرة عليه مثارا للفخر واستعراض القوة بين العرب.

نزل الإسلام مشرعا لمناسك الحج التي تقدم تقوى الله، ومحَرِّماً للبدء بالقتال عند المسجد الحرام، إلا ما كان للدفاع عن الدين ودرءا للفتنة في قوله تعالى:

{ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ۝ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}(البقرة 191: 193).

{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (البقرة 194)، نزلت هذه الآية عندما فتح الله على المسلمين ودخلوا مكة للعمرة في شهر ذي القعدة من السنة السابعة للهجرة، بعد أن منعهم الكفار من البيت الحرام في نفس الشهر من العام السابق، السادس للهجرة.

كان من عادات العرب في الجاهلية أنهم إذا أرادوا الحج، لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها، وانما أتوها من ظهورها، فأنزل الله تعالى قوله: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (البقرة  189)،  ليبين للعرب وللناس جميعا أن مقصد الحج ليست مناسكا جوفاء ولا زيارة لمكان، وانما المقصد من الحج تقوى الله، فهي سر الفلاح.

قصة هدي

كان هناك صحابي يدعى كعب بن عجرة، يحج مع رسول الله ﷺ وبرأسه أذى يتطلب منه أن يحلق رأسه، وهو من محظورات الإحرام، فأتى النبي ﷺ يستأذنه، فنزلت الآية، لتبيح له المحظور، وتشرع التكفير عن هذا المحظور، بالهدي أو الصيام أو إطعام ستة مساكين، يقول تعالى:

{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(البقرة 196).

وكان من المناسك في الجاهلية، أن يتفاخر كل واحد منهم على الآخر بنسكه، و منهم من كان يأتي الحج بلا زاد تواكلا، فأنزل الله قوله تعالى:

{ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَاب}(البقرة 197).  

اختلف الصحابة حول حكم اقتران التجارة بمناسك الحج، إذ كان الحج قبل الإسلام، موسم رواج تجاري لأسواق مكة، فأنزل الله قوله تعالى:

{ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} (البقرة 198).