إذا كانت الأخلاق تتعارض مع العقل والمشاعر فما هو مصدرها؟

الأخلاق موضوعية، يعني إذا فعل أهل الأرض جميعا خطئا ما، سيظل الإنسان مدركا من داخله أنه خطأ، وإذا فعل أحدهم صوابا ما سيكون متأكدا من داخله أنه يفعل الصواب.

الله يقول في القرآن الكريم: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} (الشمس 8)، وهو ما يعني أن الأخلاق مصدرها الله –عز وجل-، وهي دلالة على مخلوقية الإنسان، ودلالة على وجود الله.

مثلا قد تعلم أنك إذا نافقت أحد الأشخاص، ذوي السلطة والنفوذ، ستحصل على المزيد من المال وتحسن وضعك العملي والاجتماعي.

إذا فكرت في هذا العمل من ناحية العقل فقط، فسترى أنه من مصلحتك أن تفعل ذلك، بل إنك ستجد من الأفكار ما يدفعك لأن تفعل هذا.

بالتالي، ولأن المشاعر هي وليدة الأفكار حتى وإن لم تنتبه لتكون تلك الأفكار في عقلك، فإنك ستجد من نفسك ميولا لأن تفعل هذا، حتى تصير أفضل، ولما تجده من نفسك من حب للمال والنفوذ.

لكنك تعلم قطعا أن ما تريد فعله ليس صحيحا، وتنفر من هذا السلوك إذا فعله غيرك، فمن أين جاء هذا الشعور بعدم الارتياح؟

في الفلسفات الوضعية الإنسانية تبقى هذه الأسئلة بلا جواب، لأن الإجابة الوحيدة لها، في أوامر الله فقط، لأن أوامر الله تتجاوز حدود العقل والمشاعر الإنسانية.

لأن الله هو المتعالي، هو الذي يستطيع أن يضع القواعد للكون كله، بل هو مصدر كل خير لأنه تعالى هو –البر-، كما أن قدرات الله تعالى، غير محدودة بعقل ولا مشاعر، لذا فإذا كان الله تعالى هو مصدر الأخلاق، فهذا يفسر تماما موضوعية الأخلاق.

كما أن أوامر الله -تعالى-، لا تتناقض مع صفات ذاته، فهو –سبحانه- الرحمن الرحيم الودود.

بالنظر إلى التحليلات الأخرى لموضوعية الأخلاق، نرى أن باقي التحليلات لا تقدم جوابا كافيا لمصدر الأخلاق وانما تشير إلى تفضيل السلوك الإنساني لاتباع الأخلاق، نظرا لتماشيها مع الانتخاب الطبيعي.

هل هناك احتمالات أخرى؟

كما لا يمكن شرح طبيعة الأخلاق الموضوعية ولا الإشارة إلى مصدرها، إذا سلمنا بأن الإنسان نتيجة التفاعل البيولوجي فقط، لأننا عندما ننظر إلى المجتمعات الحيوانية المختلفة نرى الكثير من الممارسات البيولوجية في إطار التعامل الاجتماعي بين الحيوانات، مستنكرة تماما في المجتماعت الإنسانية.

كما أنها لن تبقى موضوعية بعد الآن، وانما ستتحول طبيعة الأخلاق لأن تكون خاضعة للظروف البيولوجية.

قد يقترح آخر أن الضغط الاجتماعي قد يكون شرحا لموضوعية الأخلاق، إلا أنها في هذه الحالة لم تعد موضوعية، كونها خاضعة للضغط الاجتماعي.

لكن بالنظر إلى ما نتج عن الضغوط الاجتماعية من مشكلات مثل وأد البنات الذي كان مقبولا اجتماعيا في فترة من فترات لدى مجتمع من المجتمعات، لكنه ظل ممارسة غير مقبولة أخلاقيا.

كما أن هناك مجتمعا من المجتمعات اتفق على إبادة طائفة دينية فيه، حين اتفق المجتمع النازي على التخلص من اليهود وحرقهم بأبشع الصور، فهل صار هذا الفعل أخلاقيا بعد الاتفاق المجتمعي؟

لهذا لا يمكن تفسير موضوعية الأخلاق من خلال الضغط الاجتماعي، خاصة إذا أدركنا أن القيم المجتمعية تتغير بمرور الوقت.

لكن الأخلاق لا تتغير مهما مر عليها الزمن، تماما كما أن الله باق خالد، لا يتغير مهما مر الزمن.